السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
34
موسوعة الفقه الإسلامي المقارن
المعلم الثامن : إنّ الاجتهاد واستنباط الحكم الشرعي في فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) له مرحلتان طوليتان ، لأنّ البيان الشرعي ينقسم إلى نوعين رئيسيين : النوع الأول - البيان الذي يثبت به الحكم الشرعي الواقعي ويسمّى بالدليل الاجتهادي ، وهذا ما يكون على مستويين : المستوى الأوّل : ما يثبته الدليل إثباتاً قطعياً ، من قبيل ما يثبت من الأحكام الشرعيّة بصريح آية من الكتاب الكريم أو بسنّة قطعيّة سنداً وصريحة دلالة . المستوى الثاني : ما يثبته إثباتاً تعبّدياً من قبيل ما يثبت من الأحكام بظهور أو بحديث معتبر شرعاً رغم أنّه لا قطع بصدوره ومطابقته للواقع إلا أنّ حجيته قطعية . النوع الثاني - البيان الذي لا يثبت الحكم الشرعي الواقعي وإنّما يحدّد الوظيفة العملية والموقف الذي يجب اتخاذه من قبل المكلف في حالات الشك والتردّد واشتباه الحكم الشرعي وعدم الدليل عليه ، ويسمّى هذا النوع من الأدلّة بالدليل الفقاهتي أو الأصل العملي . وهذه الأُصول العملية بدورها لابد وأن تثبت بالأدلّة الشرعية من النوع الأوّل أو بحكم العقل ، كما أنّه لا تصل النوبة إلى هذا النوع من الأدلّة إلا بعد فقد النوع الأوّل ، فليس النوعان من الأدلّة في عرض واحد بل طوليان . وهذا التقسيم وأحكام كلّ قسم وآثاره من أروع إنجازات فقهاء الإماميّة وتخريجاتهم في أُصول الفقه التي استنبطوها من فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) . المعلم التاسع : انفتاح باب الاجتهاد واستمرار حركته في فقه أهل البيت ( صلى الله عليه وآله ) وحرمة تقليد مجتهد لمجتهد آخر ، كما أنّه على كلّ مكلف إمّا أن يجتهد أو يقلّد مجتهداً حيّاً لا ميّتاً . ولو مات مقلَّده وأراد أن يبقى على تقليده أو يقلّد مجتهداً ميّتاً ابتداءً فعليه أن يرجع إلى مجتهد حيّ أوّلًا ، فإذا كان يرى جواز ذاك التقليد رجع إلى الميّت بإذن الحي ، وهذا يعني أنّ التقليد لابدّ وأن يبدأبالمجتهد الحيّ دائماً . وقد أدّى هذا الانفتاح في باب الاجتهاد إلى تطوّر هذا الفقه وسعة معطياته ودقّة مناهجه واستكشاف أعماقه وكنوزه وأدّى إلى تنامي الخبرات العلمية والفقهيّة للفقهاء جيلًا بعد جيل وتفوّقهم على من سبقهم تدريجياً . وأدّى إلى حيوية الفقه وقدرته على استخراج حكم كلّ مسألة مستجدة أو نظرية حديثة معتمداً على نفس المنهج لأُصول الاستنباط والاجتهاد المقرّر